أبي بكر جابر الجزائري

289

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ : أي سرا فيما بينهم . لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ : أي هلا يعذبنا اللّه بما نقول له ، فلو كان نبيا لعاجلنا اللّه بالعقوبة . حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها : أي يكفيهم عذاب جهنم يصلونها فبئس المصير لهم . فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ : أي فلا يناج بعضكم بما هو إثم ولا بما هو عدوان وظلم ولا بما هو معصية للرسول . وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى : أي وتناجوا إن أردتم ذلك بالبر أي الخير والتقوى وهي طاعة اللّه والرسول . إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ : أي إنما النجوى بالإثم والعدوان من الشيطان أي بتغريره . لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا : أي ليوهمهم انها بسبب شيء وقع مما يؤذيهم . وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ : ألا وليس التناجى بضار المؤمنين شيئا إلا بإرادة اللّه تعالى . وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ : أي وعلى اللّه لا على غيره يجب أن يتوكل المؤمنون . معنى الآيات : قوله تعالى أَ لَمْ تَرَ الآية . . هذه نزلت في يهود المدينة والمنافقين فيها . إذ كانوا يتناجون أي يتحدثون سرّا على مرأى من المؤمنين ، والوقت وقت حرب فيوهمون المؤمنين إن عدوا قد عزم على غزوهم ، أو أن سرية هزمت أو أن مؤامرة تحاك ضدهم فنهاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن التناجى ، وقال لا يتناج اثنان دون « 1 » ثالث وأبوا إلا أن يتناجوا فأنزل اللّه تعالى هذه الآية يعجب رسوله منهم ويوعدهم بعد فضحهم وكشف الستار عن كيدهم للمؤمنين ومكرهم بهم فقال تعالى لرسوله أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ « 2 » نُهُوا عَنِ النَّجْوى وهي التناجى المحادثة السرية أمام الناس ، ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ عصيانا وتمردا عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وَيَتَناجَوْنَ لا بالبر والتقوى ، ولكن بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ « 3 » الرَّسُولِ أي بما هو إثم في نفسه كالغيبة والبذاء في القول ، وبالعدوان وهو الاعتداء على المؤمنين وظلمهم ، وبمعصية الرسول فيوصى بعضهم بعضا بعصيان الرسول وعدم طاعته في أمره ونهيه . هذا وشرّ منه أنهم إذا جاءوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حيّوه بما لم يحيه به اللّه فلم يقولوا السّلام عليكم ولكن

--> ( 1 ) الحديث ثابت في الصحيح وفي الموطأ قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : ( إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون واحد ) وفي الحديث دليل على التحريم ونظيره : أن يتكلم اثنان بلغة غير لغة الثالث فإنه كنجوى اثنين دون ثالث . ( 2 ) الاستفهام للتعجيب والمراد به توبيخ اليهود الذين نزلت الآية فيهم مع إخوانهم المنافقين . ( 3 ) كتبت مَعْصِيَةِ بالتاء المفتوحة دون المربوطة التي يوقف عليها بالهاء في موضعين من هذه السورة ، ويوقف عليها بالهاء ويجوز بالتاء وأما في الوصل فلا بد من التاء .